الأمير أسامة بن منقذ

73

لباب الآداب

القلوب » أمرا شهدته بمصر في سنة سبع وأربعين وخمس مائة ، وهو : أنّ رسول ملك الحبشة وكتابه وصل إلى الملك العادل « أبي الحسن علي بن السّلار « 1 » » رضى اللّه عنه ، فسأله أن يأمر البطرك بمصر أن يعزل بطرك الحبشة - وتلك البلاد كلّها مردودة إلى نظر بطرك مصر - فأمر الملك العادل بإحضار البطرك ، فحضر وأنا عنده ، فرأيت شيخا نحيفا مصفرّا ، فأدناه حتى وقف عند باب المجلس ، فسلم ، ثمّ انحرف فجلس على دكل « 2 » في الدار ، ونفّذ إليه يقول له : ملك الحبشة قد شكا من البطرك الذي يتولّى بلاده ، وسألني في التّقدّم إليك بعزله . فقال : يا مولاي ، ما ولّيته حتى اختبرته ، ورأيته يصلح للنّاموس الذي هو فيه ، وما ظهر لي من أمره ما يوجب عزله ، ولا يسعني في ديني أن أعمل فيه بغير الواجب ، ولا يجوز لي أن أعزله . فاغتاظ الملك العادل - رحمه اللّه - من قوله ، وأمر باعتقاله ، فاعتقل يومين . ثم أنفذ إليه - وأنا حاضر - يقول له : لا بدّ من عزل هذا البطرك لأجل سؤال ملك الحبشة في ذلك . فقال : يا مولاي ، ما عندي جواب غير ما قلته لك ، وحكمك وقدرتك إنّما هي على الجسم الضعيف الذي بين يديك ، وأما ديني فما لك عليه سبيل ، واللّه ما أعزله ولو نالني كلّ مكروه . فأمر الملك العادل - رحمه اللّه - بإطلاقه ، واعتذر إلى ملك الحبشة . رجع القول إلى السّياسة .

--> ( 1 ) أنظر ترجمته في ابن خلكان ( ج 1 ص 467 - 469 ) ( 2 ) الدكلة - بفتح الدال والكاف - : الطين الرقيق ، ولعله استعمل بعد ذلك في اللهجات العامية بحذف التاء الأخيرة لشيء مما يجلس عليه ، وقد يكون ذلك بناء من الطين .